منتدى الفتاة التجانية.



 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تعريف بالإمام التماسيني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مداح تجاني

avatar

ذكر عدد الرسائل : 28
العمر : 27
البلد : لجزائر- الوادي - حاسي خليفة
العمل/الترفيه : طالب ثانوي
المزاج : كثر خير الشيخ
تاريخ التسجيل : 04/05/2010

مُساهمةموضوع: تعريف بالإمام التماسيني   الأربعاء مايو 05, 2010 1:26 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمد وصحبه وآله وسلّم


من هو الإمام التماسيني رضي الله عنه ؟


هو العارف بالله ، وخادم الحضرة الأحمدية ، الشريف الحسني سيّدنا أبو الحسن عليّ التماسيني رضي الله عنه الذي وُلِدَ بتماسين ولاية ورقلة بالجمهورية الجزائرية عام 1180 هـ ـ 1766 م . شبّ في بيت صلاح وطهارة وتقوى ، حفظ القرآن ، وتغذّى بمبادئ الشريعة الإسلامية ، وامتاز منذ طفولته بالتواضع ونكران الذات ، محِبّا لعباد الله الصالحين ميّالا لصحبتهم ، وكان المعاصرون له قبل اجتماعه بسيّدنا أبي الفيض التجاني عليه سلام الله يصفونه بالحكمة ومكارم الأخلاق .
وكان يعتمد في معاشه على زراعة النخيل ويحثّ عليه ، وعندما عرف الطريقة التجانية ، والْتَقى بشيخه في عين ماضي عام 1204 هـ ـ 1789 م قدّمه الشيخ على جميع الأصحاب ، وقال في حقّه : " أين مثل التماسيني ؟! " .
خدم شيخه بإخلاص وتفانٍ وحبّ ليس له مثيل إلى أن ألْبسه جلباب الخلافة حال حياته . وأمَرَه بالتربية وتأسيس زاوية " تملاّحتْ " بتماسين عام 1220 هـ ـ 1805 م . فكان عند حسن الظنّ ، وفي مستوى الثقة التي وضعها شيخه فيه .
وعند انتقال الشيخ إلى الرفيق الأعلى ، قضى مدّة خلافته داعيا إلى الله بالحال والمقال ، موحّدا لصفوف المسلمين قائلاً لأصحابه أنه ليس له عدوّ إلاّ الشيطان ، جاء ذلك في بعض رسائله الموجّهة للأحباب . وله دعاء يومي بأن لا يرى الكفّار ، وهو قوله : " اللهمّ لا تجعل لنا بين أيديهم إسما ولا تجعل لهم في أموالنا قسما ولا تعذّب لنا بين أيديهم جسما يا من علّم آدم الأسماء " .
كما نفّذ وصايا شيخه كاملة بأخذ ولديه إلى الصحراء لقول شيخه : " أولادي لا تليق بهم إلاّ الصحراء " ، يعني بذلك عين ماضي .
وكان شعاره المعروف لدى الخاص والعامّ هو : " السبيحة واللويحة والمسيحة " يعني بهذه العبارة ( العبادة ـ العلم ـ العمل ) .
ولبّى داعي ربّه بـ " تملاّحت " يوم الثلاثاء 22 صفر 1260 ـ 12 مارس 1844 م .


ما هي الهمّة ؟


قبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نقدّم لهذا الموضوع الذي سوف يكون في الأخير هو الإجابة .
يُقال عند العارفين أنّ همّة المرء قاهرة لجميع الأكوان ، لو تعلّقتْ بشيء لنالتْهُ ولو كان وراء العرش .
فصاحب الهمّة هو ذلك الذي أكرمه الله بكرامة دائمة . فالهمّة هي التأييد بالله كما ذُكر في الحديث القدسيّ المشهور عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : « إن الله قال : من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحَبّ إليّ ممّا افترضتُ عليه وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » ويقول صاحب الهمّة الشيخ سيّدي حمّه رضي الله عنه مردّدا الأبيات التالية :

تستّـرت عن دهـري بظلّ جنابـه فصرت أرى دهري وليس يرانـي
وإن تسأل الأيام عن إسمي ما درت وعن مكانـي ما عرفـن مكانـي

ويقول شاعرنا محمد العيد آل خليفة في حقّ هذا الشيخ الجليل :
متكـفّـل لمـريـده بـمـراده مـوفٍ لـزائـره بمـا يختـار
آس لأمـراض القلوب يطبّهـا ببصيـرة كشفـت لها الأبصـار
متبحّر العرفان مكتمل الحجـى تبـدو عليـه سكينـة ووقـار
من صفوة القوم الذين إذا رؤوا ذُكـر الإلـه الواحـد القـهّـار

ولعلّنا من خلال هذا التقديم نستطيع أن نعرف على الأقلّ معنى للهمّة التي هي عبارة عن تأييد ربّاني لعبد من عبيد الحضرة الإلهية . فكلّما همّ بشيء ، أو جال بخاطره أيّ أمر إلاّ ويكون وفق ما أراد ، وتلك كرامة من الله لعبده ، غير أنها تختلف عن الكرامات الأخرى ، لأنّ الكرامة هي : أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدّي ، وعادة ما تأتي عفوية ودونما انتظار من صاحبها .

ما هي خاصيّة التماسيني المميّزة ؟


كان هذا الإمام حبّه في الذي يثق به كبيرا وثقته في في الذي يحبّ أكبر . ملأ الحبّ عليه فراغ الروح فأصبح لا يراوده في أفعال شيخه التجاني هوى ، ولا يصيبه من أوامره فتور . ينحدر متواضعا لكي يرتقي في سبيل هذا الإرتقاء ، وغيره يرتقون فينحدرون حبّا في التباهي والإرتقاء . أبعد نفسه عن الدنايا من جميع الصفات كالرياء والعجب والكبرياء والحسد والحرص والصدارة والرئاسة وكلّ ما يدنّس الشرف ، وفتح لنفسه سبل الترقّي من تكتّمٍ في الأعمال ، وتواضع أمام الرجال .
كان مجبولا على المحبّة مطبوعا عليها ، يحبّ أهل الله بمحض عرفاتنه الكامن في معرفة الصلاح ، سريع البديهة ، حاد النظر والبصيرة ، ألْمَعِيّاً لا يغيب عليه ما يغيب على أقدر معاصريه وأكفئهم ، لا تفلتُ منه الفرص ، يعطي كلّ فرصة حقّها ، ويستجيب للعظائم دون أن يُرى ذلك منه ، فهو حذِرٌ لا يتظاهر بشيء . يراه أصحابه وكأنه من المؤخّرة فيهم ، ويعطونه لقبا ليس من مقامه فيسمّونه "البهلول" ، وأحسن ما يبلغ المنى أحد هؤلاء البهاليل .
لا يهمّه هذا التنازل ، فهو العبقريّ الذي يعمل في الخفاء ، يخدم شيخه وأصحابه بجميع أنواع الخدمة ، ويستجيب لمطالبهم بلا تَوانٍ ولا تماطل ، قد اختار هذا التنازل بحريّة حتّى أن أحد المترفين الزائرين قَدِمَ إلى الشيخ بهدايا وناداه بقوله : " يا وصيف " ، فاستجاب ولم يرِ في القولة ما يهين ، واستقبل ذلك الضيف بقوله : " نعم يا سيّدي " على مرآى ومسمع من قدوته أبي الفيض التجاني رضي الله عنه . هكذا كان يقبل كلّ إشارة تمس من شأنه في عالم الملك دون أن سقبل ذلك في شأن شيخه ومربّيه ، ويثور لها ثورة الهصور وهو الليّن في سجاياه . تلك هي حماسة المعجب بحبيبه ، وذلك هو الإتصال والإخلاص الروحي الصرف الذي لا يحتاج إلى دليل منطقي أو برهان علمي ، بل هو الإنطلاق النفسي الذي يصِلُ إلى العظمة بدون مجهودات . فمحبّة العظيم ليستْ بجريرة إذا كان ذلك العظيم يحظى بعظمة لا مراء فيها . والشيخ الذي أحبّه التماسيني هو من هذه العظمة ، ومحبّته قربى ، أحَبَّ فيه الحقّ ، وأحَبَّ فيه الخير ، وأحَبَّ فيه الإستقامة ، هذا هو حبّ التماسيني وأيّ حبٍّ أحسن من هذا ؟!أحَبَّه لأن سليقته بُنِيَتْ على هذا التركيب ، ويقتدي بشيخه لأنه أهل للإقتداء ، ويفضّله على غيره لأنه أهل للتفضيل في جميع صوره ، ولا بدعة في ذلك ، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال في ما معناه : " يا أبا بكر إنّما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل " .
كان المقتدِي والأوّل في الإقتداء أمام شيخه ، والمجتهد والثاني في الإجتهاد بعد شيخه . يعمل فقط لِخدمة الطريقة ليس إلاّ وكأنه لم يُخلقْ إلاّ لخدمتها ، بذلَ نفسه وما يعزّ عليه في سبيل هذا الطريق . لقد جُبِلَ على محبّة الأسرار والإطّلاع عليها وإخفائها على غير أهلها ، يمقتُ الدعوى ، ويمقتُ الصدارة ، ويمقت الظهور ، ويمقت التظاهر .
أوّلا ـ نماذج من همّته العالية
كان ذا همّة عالية منذ صباه ، فقدْ كانت تكلّمه الأموات وهو ابن ستّ سنوات ، وكان يُعرَف بالصلاح بين الناس منذ ذلك العمر ، وقد ظهرت عليه بوادر الفتح منذ الطفولة إلى أن أهّله الله لمعرفة القطب المكتوم وزيارته بعين ماضي كما ذكرنا في التعريف .

تفانيه في خدمة الشيخ
بمجرّد الزيارة الأولى لعين ماضي حيث يقطن شيخه أبى إلاّ أن يجرّد نفسه للخدمة والتفاني فيها ، وامتنع عن العودة إلى بلده وأولاده .

تنويه الشيخ به
من همّته العالية أنه لم يكترث ولم يلْتفِتْ إلى التنويه به ، وذلك أنه لمّا قدِمَ على الشيخ قدّمه على الجميع ، قائلا لأصحابه : " إنّني في هذا اليوم كالشيخ الذي بلغ من العمر الثمانين ولم يرزقه الله الولد ، وقد أيس من الإنتظار ، وها هو قد رزقني الله الولد بمجيء هذا التماسيني إليّ " .
وقال في حقّه أيضا : " أين مثل التماسيني يا مسكين " في حادثة الرقية لِأَمَةِ الشيخ رضي الله عنه حينما طلب منه أحد أصحابه الإذنَ في ذلك .
واجتمع الشيخ بأصحابه ذات مرّة وقال مناديا بأعلى صوته : " ألا إنّ هذا العصر لله ولرسوله ولِي والخلافة لِعَلِيّ . ومن همّته أنه عقّب على قول الشيخ موضّحاً للجماعة أنّ المعنِيّ هو علي حرازم . إلاّ أنّ الشيخ رماه بسبحته قائلا له : " الله ورسوله يريدانها للتماسيني وأنت تقول علي حرازم ؟ " .
ومن همّته السامية أنّ الشيخ ذكر مقامه بين الأحباب ، وعلوّ مرتبته حتى أنّ الكثير منهم خطر لهم التمسّك به والإستمداد منه ، فأراد صرفهم عن ذلك بقوله : " هذا الخديم بهذه الدرجة فكيف بسيّده " . فرجعت قلوبهم إلى شيخهم التجاني رضي الله عنه .
حادثة العرجون
عند جني التمور ببستانه أُعجِبَ بعرجون من التمر الجيّد فأبتْ همّته إلاّ أن يأكل شيخه منه ، وهو إذ ذاك في فاس ، فأخذ العرجون بيده وقال له : " سِرْ على بركة الله إلى أن تقع بين يدي الشيخ " . وما هي إلاّ ثوانٍ حتى سقط العرجون بين يدي الشيخ وأصحابه ، فقالو : " ما هذا الأمر ؟ " ، فقال لهم الشيخ : " ذلك فعل من تُسمّونه البهلول " .
زيارته للشيخ عن طريق الخطوة
ممّا ثبت عن العدول من أهل هذه الطريقة أنه زار الشيخ بفاس أكثر من مرّة عن طريق الخطوة حتى زجره الشيخ عن ذلك وقال له : " ينبغي أن تأتي كأصحابك حتى تذوق مشقّة الطريق " .
ومن خوارقه في هذا الباب تلك القضيّة التي وقعت لسيّدي محمود التونسي عندما مرّ بصحراء تماسين وهو متّجهٌ إلى تونس ، فخرج عليه اللصوص من تلك الجهة ، ونهبوا بعض ما بيده من أمتعة ، فاغتاظ لذلك ورجع إلى الشيخ شاكيا بهم عن طريق الخطوة ، فعَلِمَ التماسيني بذلك وخاف عن أهل وطنه من دعاء الشيخ عليهم بالهلاك ، فأسرع إليه بنفس الطريقة ، فكان من قضاء الله أن وصل قبل صاحبه ، وأخبره بالقصة وما جرى لسيدي محمود ، وقال له : " يا سيدي إن أنتَ دعوتهم بالشرّ فإنّ داري لا يبقى لها أثر ، فَهُمُ الصور لداري وحصنها " . ووصل بعده سيدي محمود رضي الله عنه في غاية الغضب والغيظ شاكيا بأهل تماسين ، فقال له سيّدنا رضي الله عنه : "سبقك بها عكاشة" .

ثانيا ـ نماذج من تصرّفاته الإستراتيجية

محاورته مع سيّدي محمد الكبير رضي الله عنه
بعد حلول أسرة الشيخ بعين ماضي ، واستقرار سيدي الحاج عليّ رضي الله عنه بتماسين ازداد انتشار الطريقة ، وأصبحت عين ماضي وتماسين تستقطب الزوّار من كلّ فجّ وصوْبٍ ، حتّى أنّ رحّالة قال : " عندما مررتُ بتماسين وجدتُ أكثر من مائتيْ رجل أتوا من الآفاق البعيدة لزيارة القطب التماسينيّ طالبين منه الإذن والتقديم في الطريقة نظرا لكثرة طلاّب الإنخراط في الطريقة التجانية " ، ممّا جعل مخاوف الترك تزداد ومعها تتفاقم مواقفهم التعسفية من التجانيين خصوصا ، ومن قبائل الصحراء عموما . فعزم سيدي محمد الكبير نجل الشيخ التجاني رضي الله عنه على القيام بثورة ضدّ الأتراك في الغرب الجزائري . وجَرَتْ بينه وبين سيدي الحاج علي رضي الله عنه مناقشات في هذا الشأن : ـ سيدي محمد الكبير رضي الله عنه : يا سيدي الحاج علي ، بعد تفكير طويل قد عزمتُ على ذلك الأمر الذي تكلّمنا فيه من قبل .
ـ سيدي الحاج علي رضي الله عنه: وما ذلك الأمر ؟
ـ سيدي محمد الكبير رضي الله عنه : هو القيام بالثورة على هؤلاء العجم الذين أكثروا في الأرض الفساد ، فأهلكوا الحرث والنسل ، ولم يحكموا بما أنزل الله به من شريعة الإسلام ، فقتلوا خيارنا وعلماءنا وصلحاءنا ، وضيّقوا على آخرين حتى اغتربوا ، وأثقلوا كواهل فقرائنا وفلاّاحينا وتجّارنا بالغرائم ، وأنت يا سيدي عليم بما صنعوه مع والدنا رحمه الله ورضي عنه ، وبهجوماتهم المتكرّرة على قريتنا ، وبفعالهم الشنيعة مع أهلينا ، خصوصا سنة 1189 هـ وسنة 1213 هـ ، والمرّة الأخيرة حين زلزلت الأرض زلزالها ، وهم الآن يراقبون قوافلنا ، ويترصّدون لسلبها ظلما وعدوانا ، ولم يكتفوا بذلك ، فهم الآن بالمرصاد لي وأخي ، ولا همّ لهم سوى قتلنا لا لشيء سوى بغضا في المصلحين من أهل الوطن . وقل لي بربّك يا سيدي ، ماذا انتفعتْ أمتنا في الجزائر بوجود الترك ؟ نعم إنّ لهم فضل في صدّ غزوات الصليبيينمن النصارى ، لكن لولا مساعدة أبناء وطننا واستشهادهم وتضحياتهم ما استطاعت الترك فعل شيء يُذكر في تلك الحروب ، ومولانا عزّ وجلّ أمرنا بالنهي عن المنكر ، وجهاد الظَلَمَة ، ولا بدّ من امتثال أمره ، وقد شجّعني على ذلك قبائل نواحي معسكر وغريس ، ودارت بيننا المراسلة ، واتّفقنا على التعاون على القضاء عليهم .
ـ سيدي الحاج علي رضي الله عنه: بعد أن تكلّمنا في شأن هذه المسألة في المرّة الأخيرة فكّرتُ طويلا واستخرتُ الله عزّ وجلّ عدّة مرّات ، والذي وقرَ في قلبي أنه تعالى لم يأذن في هذه الثورة التي تريد القيام بها ، فدَعْ عنك هذا الأمر .
ـ سيدي محمد الكبير رضي الله عنه : لكن يا سيدي لنا إذنٌ مطلق دائم من الشريعة المطهّرة ، فالآيات القرآنية الآمرة بجهاد من لم يحكم بما أنزل الله ، ومقاومة الظلم ، كثيرة ، والأحاديث النبوية في هذا الباب معروفة . ولئن سكتنا على هذا المنكر والظلم فلن يزيد الترك إلاّ طغيانا ، وسنكون ملحقين بهم والعياذ بالله من ذلك .
ـ سيدي الحاج علي رضي الله عنه : إنّ مقاومة ولاّة الأمر ، حتى وإن كانوا ظلمة ، لها شروط وقواعد مبسوطة في كتب الفقه ، منها ألاّ يجرّ النهي عن المنكر إلى منكر أكبر . وعواقب هذه الثورة التي تزمع القيام بها مجهولة ، وربّما تكون وخيمة ، وأنت تعلم أنّ سيدنا والدك قدّس الله سرّه قد نهى أهالي عين ماضي مدّة قبل هجرته إلى فاس عن مقاتلة الترك ، وحثّهم على المصالحة معهم ، وأنذرهم بأنهم إن خالفوه فسيغلبون قهرا . وأكرّر لك بأني استخرت الله تعالى في أمرك هذا وثبت عندي يقينا أنّ ما أنت قادم عليه ليس في صالحك أصلا .
ـ سيدي محمد الكبير رضي الله عنه : أنا لا أبحث عن مصلحتي ولكن عن مصلحة أمتنا ووطننا امتثالا لأمر ربنا ، واتّباعا لسنّة نبيّنا عليه الصلاة والسلام . فإن قضى الله بالنصر فنسأل الله أن يوفّقنا إلى إعلاء دينه في هذا الوطن ، وإن قضى الله بالشهادة فأنعمْ بها كرامة من عند ربّنا ، وما أريد إلاّ الإصلاح ما استطعتُ وما توفيقيَ إلاّ بالله عليه توكّلتُ وإليه أنيب .
سيدي الحاج علي رضي الله عنه : كلمتي الأخيرة هي إنه لا إذن لك فيما أنت قاصد ، ثمّ لا إذن لك ، ثمّ لا إذن لك ، ثمّ لا إذن لك ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
مراسلاته مع سيدي محمد الحبيب رضي الله عنه
من بين مراسلاته مع سيدي محمد الحبيب رضي الله عنه الكثيرة ، تلك الرسائل التي دارت بخصوص حصار عين ماضي من قبل الأمير عبد القادر وجنوده بتاريخ 12 جوان 1838 ميلادي . وكان قوام ذلك الجيش 6000 فارس ، و3000 راجل ، و06 مدافع هاون ، و03 مدافع ميدان . وبعد عشرة أيام من التاريخ المذكور ضرب الحصار على عين ماضي ، الأمر الذي أدهش سيدي محمد الحبيب لكونه لم يكن مستعدّا لذلك . ولمّا ضاق ذرعا بهذه الوقائع ، وبعد مراسلات عديدة ، ولم يخرج سيدي محمد الحبيب للدفاع امتثالا لأمر سيدي الحاج علي الذي أمره بالصبر لمجاري الأقدار ، والإلجاء إلى الله تعالى بالتضرّع والدعاء ، ولمّا اشتدّ الكرب بهذه النازلة ، وتضييق الخناق على بلدته ، كتَبَ رضي الله عنه كتابا آخر لسيدي الحاج علي خفية من عين ماضي تحت ستر الله ، يتضمّن ما معناه : " فإنّ الحاج عبد القادر نزل على عين ماضي ، وقد ضيّق علينا الحصار من خارج القرية ، وإني الآن مسكتُ جميع مفاتيح القرية تحت يدي خوفا ممّا تعلمه رضي الله عنك ، وقد كنتُ عرّفتُك بالحال في غير ما مرّة ، وطالتْ بيني وبينك المراجعة بالمكاتيب ظنّا منّي عساك تدركني لِمَا نعلم من شفقتك وحنانك عَلَيَّ إلى أن صرتُ الآن تحت كلاكل العدوّ وبين أضراسه ، وصرتُ محصورا وما ذلك إلاّ من أنك جفيتني . يا والدي سيدي الحاج علي أيُرضيك تتركني فريسة مرمية بين يدي العدوّ وما كان الظنّ بك ذلك ، ولو كنتُ ولدك حقيقة ما كنتَ تجافيني وتتركني إلى هذا الوقت ، ولَرَقَّ قلبك عليّ .نعم ، إذا لم تحصل لك في قلبك الشفقة والحنانة عَلَيَّ أنا ، ما تقول في شأن حريم دار الشيخ إنِ انتُهِكَتْ حرمته . فإن عجزتُ على المكاتبة لك لعدم استطاعتي ممّا أنا فيه من تشويش البال ، وباختصار ، فكلّ ما يحل وقوعه بحريم دار الشيخ فأنت المطالب به بين يدي الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم والقطب الأعظم مستخلفك لأنّ الله تعالى أقدرك على الدفاع بتصريفه إيّاك في الكون ( وعندما وصل كتابه إلى هاته الكلمة رقّ قلبه وفاضت عيناه بالدموع إلى أنِ ابتلّ الكتاب بدموعه فألْحَقَ له في الكتاب ما معناه ) ها هي دموعي هاطلة مسترسلة شاهدْهَا تضمّخَ هذا الكتاب بها كما تراها ، وبذلك تستدلّ على ضيق الأمر وشدّته ، وأنت يا والدي رضي الله عنكم تعرف من طبعي ما كانت تسيل دموعي من الخوف على نفسي من الموت ، لا واللهِ وحقّك إنما ذلك خوفا من هتك حرمة حريم الشيخ . صرتُ تحت كلاكله وإحاطته بنا وأنتَ رضي الله عنك مهما أخبرتك تأمرني بالصبر فامتثلتُ ، ولو أمرتني أن أخرج إليه ونقابله بالدفاع ما كنت أصبر بين يديه ، ولا نبالي بكثرتهم وعدّهم وعددهم ، وإلى متى وحتى متى وأنتَ تقول أصبرْ أصبرْ أصبرْ ، فما بقي للصبر ولو أقلّ قليل ، ولا يسعني التأخير إذا لم تدركني عنايتك بالتعجيل ، والسلام ، انتهى "
وعندما قرأ سيدي الحاج علي رضي الله عنه هذه الرسالة لم يستطعْ أن يمسك دموعه ، وبعث من حينه إلى جميع الأصحاب أن يقدموا عليه من غير إبطاء ، وبعث برسالة إليه مضمونها : " أصبر فإني قادم إليك بنفسي في جيش قوامه مائة ألف فارس وأما الرجال فقد يزيدون على ذلك ، ولا تخش من شيء بحول الله وقوّتِه ، وختَمَه بالسلام " ، وأوصى حامل الرسالة بالتعجيل . وفرح سيدي محمد الحبيب بمضمون الرسالة واستبشر بالنصر .
وبدأ المحاصرون بالحفر تحت الأرض إلى أن بلغوا سور البلدة ودخلوا تحت دار الشيخ ، فأمر الشيخ أصحابه بشقّ الأرض فوجدوا جماعة من جيش الأمير هناك فأسروهم ، وبقيتْ تلك الحفرة لصالح سيدي محمد الحبيب ، وبعث برسالة إلى الأمير يخبره فيها بما وقع لأصحابه وأنه عفا عنهم وأرجعهم سالمين ، وأن لا فائدة من القتال بيننا ، وخاصة أن تزعم الجهاد في سبيل الله ونحن مؤمنون مسلمون . لكنه بعد هذه الخطاب زاد من تضييق الحصار .
وأما سيدي الحاج علي رضي الله عنه فقد اجتمع لديه الكثير من المطوّعين للجهاد ، فأمر بتحضير مأدبة غداء على شرف الحضور ، وطلب من كبرائهم أن يجمعوهم كلهم بين يديه ليبلغهم الخبر اليقين ، وما هم قادمون عليه ، ثم طلب منهم أن يختاروا له من هذا الجمع ألف فارس فقط من خيرتهم وأقدرهم على الجهاد ، ثم طلب منهم أن يختاروا له مائة من الألف ، ففعلوا ذلك ، ثم قال لهم اختاروا لي عشرة من المائة ، وسرّح الباقين واكتفى بالعشرة وقام خطيبا قائلا : " أنني قد عزمتُ على أمر والآن ظهر لي أمر غيبي عكس ما كنت قادم عليه . فسيقوم ابني سيدي احْمَيْدَهْ مقامي بانضمامه إلى العشرة رجال فيصير عددهم أحد عشرة رجلا ، ومنهم سيدي الطاهر بن عبد الصادق رضي الله عنه ، ثمّ لفّ سنجقا (راية) من حرير ومدّه بيده المباركة إلى ابنه ومعه كتاب إلى سيدنا ، فأخذهما منه ، ثم أوصاهم بإشاعة أنّ سيدي الحاج علي قادم من طريق آخر لنصرة سيدي محمد الحبيب بجيش عرمرم يزيد على مائتيْ ألفٍ ، وقال يجب أن يبلغ هذا الخبرمسامع الصحراء في جميع النواحي ، واعملوا على إفشاء هذا الخبر إلى أن تبلغوا عين ماضي . وعند وصولكم إلى سيدنا بلّغوه الكتاب وأعطوه السنجق ، وبعد أن تثور ثائرته ويلين بلّغوه بالخطة : إمّا أن يخرج سيدي احميْده على رأس العشرة رجال يتقدّمهم السنجق والمحفّة على البغال وبداخلها الكتاب ، وإمّا أن يقوم بذلك سيدنا وحده ومعه المحفّة والكتاب بداخلها حاملا معه السنجق . فاختار سيدي محمد الحبيب الخروج وحده وانتصر بعونٍ من الله ، وانتهت المعركة .
وقائعه مع بني جلاّب
بعد ظهور سيدي الحاج علي كشخصية إسلامية مرموقة في ربوع وادي ريغ ، والصحراء عموما ، ونفوذه الروحي بين أصحابه ، وخضوع الآخرين له ، الأمر الذي سبّب إزعاجا لأسرة بني جلاّب الحاكمة في مدينة تقرت ، وخاصة لبروز الطريقة التجانية على يديه ، الشيء الذي قلّص من نفوذهم ، وأصبحوا يتحيّنون الفرص لمجاهرته بالعداء ، وفعلا قاموا بمحاصرة دار التماسيني رضي الله عنه ، وعزموا على قتاله زأصحابه الأقربين ، ودامت المعارك مدّة طويلة بين كرّ وفرّ . وما يعنينا من هذه المعارك هي عبقرية سيدي الحاج علي رضي الله عنه ، واستراتجيته الحربية في تنظيم الصفوف ، واختيار الرجال لذلك .


من هذه العبقرية أن بن جلاّب باليقين أنّ انتصارات التماسيني عليه إنما هي بسبب الفَرَس التي قدِم بها من فاس ، فكتب كتابا إلى سيدي الحاج علي مع أحد خاصته قائلا له : " بلَغَني أن لديك فرسا شهباء ، وقد أُعجِبتُ بها كثيرا ، وها أنا أرجوك وألِحُّ في طلب بيعها إليّ بالثمن الذي تريد " . فردّ عليه سيدي الحاج علي رضي الله عنه قائلا : " فعلاً إن تلك الفرس من جياد الخيل ، وقد أعطانيها شيخي وأستاذي رضي الله عنه وما كانت نفسي تحدّثني بإخراجها من عندي بكلّ وجهٍ ، وأما أ،ت فإني أوثرك بها على نفسي لأنك أمير وطننا ولا تسعك معنا إلاّ الطاعة لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم ، غير أني لا آخذ بدلها ثمنا نقديا ، لكن بحوزتنا نخيل لنا ولشيخنا في هذه الناحية ، والعمل المطلوب هو أن تعطي أمرك في تحرير جميع أملاك الشيخ وأملاكنا من جميع المطالب المخزنية ، على أن يكون هذا الإعفاء دائما ومستمرّا عبر العصور والدهور ونعطيك الفرس في مقابلة ذلك " . وفعلا كتب بن جلاّب وثيقة بذلك تتضمّن الإعفاء الكلّي لأملاك الزاوية ، وبقيتْ سارية المفعول إلى أواخر الحكم الفرنسي . وعندما أخذ بن جلاّب الفرس تيقّن أنه سوف ينتصر في المعركة القادمة
حادثة طولو :
بينما كان أهل تماسين على حين غفلة إذ بجيش بن جلاّب يداهمهم فرسانا ورجالا ، وحينما أحاط بتماسين خرج أهلها للدفاع عنها ، وعجز الظالم عن الولوج داخل الدار ، وطار الخبر إلى جهات أخرى كآت سعيد وأولاد السائح وأهالي سوف ، وقام سيدي الطاهر بن عبد الصادق رضي الله عنه خطيبا فيهم ، معبّئا لنصرة سيدي الحاج علي رضي الله عنه ، ضامنا لهم العودة بالسلامة إلى ذويهم . وقام بعده سيدي أحمد بن سعد لإمدادهم بما يحتاجونه من الأموال لاقتناء السيوف والبنادق ، وما يكفيهم من البارود والرصاص المعدّ للدفاع ، وما يحتاجونه من المؤونة لأهلهم وأولادهم منذ خروجهم إلى العودة . وصرّح لهم سيدي الحاج علي رضي الله عنه بالنصر بمجرّد ملاقاته بهم تماما مثل سيدي الطاهر . وتقابلت الصفوف ، وأوشكت المعركة أن تلتحم ، وكان من بين المدافعين ، بقيادة سيدي الحاج علي رضي الله عنه ، أبناؤه سيدي احميْده وسيدي الطاهر وسيدي محمد العيد وسيدي محمد الصغير ، ومعهم سيدي الطاهر بن عبد الصادق ، وسيدي أحمد بن سليمان التغزوتي ، وسيدي عليّ بن احْنِيشْ ، وسيدي عبد الله بدّهْ ، وسيدي لخضر بن حمّانه ، وسيدي أحمد بن محمد ، وسيدي أحمد بن سعد رضي الله عنهم . فوقف سيدي الحاج علي رضي الله عنه وقال لهم : " مُرُّوا أمامي أنظر إليكم واحدا واحدا " ، ولعلّه يريد تحصينهم . ففعلوا ما أمرهم به ما عدا رجل واحد إسمه أحمد بن خالد بن بوخلخال ، أصله من عرش سعيد ، قال : " ما غادرتُ خيمتي إلاّ طلبا في الشهادة " ، وفعلا بعد احتدام المعركة نجا الجميع سوى ذلك الرجل ، وانتصر سيدي الحاج علي رضي الله عنه .
واقعة هامّة
هذه الواقعة تنِمُّ عن عبقرية فذّة في بُعدِ النظر ، وهي التي أرسل فيها بن جلاّب كتابا إلى سيدي الحاج علي رضي الله عنه جاء فيه ما يلي : " شيخنا وأستاذنا العارف بالله تعالى ، القطب سيدي الحاج علي بن سيدي الحاج عيسى التماسيني ، السلام عليك وبعد : فإنّ أهل تماسين قد عصوا أمري ، ولم يرجعوا عن مخالفتي ، أعلمتك أني قادم عليهم بالقوة الحربية لكسر شوكتهم بما معي من الخيل والرجال ، وأنت رجل مرابط منسوب لله ومحسوب سيدنا ، وقدرك عندنا رفيع ، إذا سمعتَ بقدومي إلى أهل تماسين لا تجزعْ ولا تخَفْ من جانبي ، لا أنت ولا من انتسب إليك ، ولا بأس أنك لا تترك المنتسبين إليك يدافعون على أهل تماسين فإنّا ما قاصدين إلاّ تماسين وأهلها وأنت لست من أهل تماسين ...الخ " . وعندما قرأ سيدي الحاج علي رضي الله عنه الرسالة ، أجاب حاملها مشافهة بما يلي : " بلّغ سيدك الذي بعثك إليّ بهذا الكتاب على لساني بأن تقول له إنّك قلتَ في كتابك " الحاج علي التماسيني " ، وقلتَ فيه أيضا " إني قادم إلى تماسين بالقوة الحربية " ، فأهل تماسين أناس ملتهون بأنفسهم ، مشغولون بالخدمة يكدّون من أجل العيش الكريم مع الأبناء والحريم ، وهم أهل عافية ، وجلّهم فقراء مساكين لا عصيان ولا شقاق عندهم ، وأما أنا فأقول لك كتابك حجّة عليك لأنّك قلتَ لي فيه الحاج علي التماسيني ، فأنا إذنْ من تماسين كما قلت في كتابك ، وهي بلادي ومحلّ استقراري ، أنا وحريمي وأولادي ، وفيها أملاكي ، ولا ينبغي لي أن أنسلخ من هذه النسبة ، وقل لسيدك يقول لك الحاج علي : الناس المتقدّمون من العامّة خلّفوا نصيحة عامية جَرَتْ على الألسنة لمن بعدهم وهي قولهم " شَايبْ ويَتْزَلْبَحْ تَكِّي واذبَحْ " (1) ، وأنا شايب والنصيحة لي ، فلا أغترّ بما حلّيتني به ، وما تضمّنه لين الخطاب ، فإن هداك الله فاترك أهل تماسين يخدمون على أنفسهم ، ويشتغلون بأسباب معاشهم ، فإن امتثل فذلك ما نبغي ، وإن أبى فقل له إنّ تماسين يقظانة غير نائمة ، والله تعالى مع المظلوم يؤيّده بنصر من عنده .
فاستعمل بن جلاّب عنصر المفاجأة وداهم تماسين على حين غفلة بخيله ورجله ، فقال سيدي الحاج علي للمدافعين : " إلتزموا الصبر ، وتضرّعوا لله تعالى بالقلب ، وفوّضوا الأمر لله سبحانه وتعالى " . وضيّق بن جلاّب الحصار على الدار إلى أن توغّلت بنادق جيشه داخل الزاوية ، حتى أن بعض الإماء أسقطن حملهنّ من الهلع وشدّة الخوف ، فحملت الغيرة الإلهية سيدي الزاوي (2) ، وهو رجل مجذوب ، بأن أخذ يدافع بالخوارق ، حيث أخذ بيده شيئا من بعر الماعز اليابس ويرمي به العدوّ فيفعل فيه الأفاعيل حتى سقط من جيش العدو الكثير من القتلى ، فتفطّن سيدي الحاج علي لفعل سيدي الزاوي ، وزجره زجرا قويّا ، ونهاه عن ذلك ، وقال له : " منتُ أمرتكم بالصبر فخالفتم أمري وهلكتم عباد الله بأمر لا يقدرون على دفعه " ، فقال سيدي الزاوي : " نهيتنا ظاهرا فامتثلنا ، وهذا دفاع باطني ألْجاَتْنا إليه الضرورة ، فدعا عليه بكفّ البصر مع أنه من عادته لا يدعو بِشَرٍّ أبدا ، فكفّ بصر ابنه في الحال . واشتدّ الأمر على دار الشيخ ، وضاق الخناق بما لا يطيقه البشر ، فتقدّم رجال من العارفين إلى الشيخ وهُمْ من أهل المراتب ، وكان عددهم عشرة من بينهم سيدي الطاهر بن عبد الصادق ، وسيدي أحمد بن سليمان ، والآخرون من أولاد السائح ومن أهل سُوفْ ، فقال أحدهم لسيدي الحاج علي رضي الله عنه : " لقد نفذ الصبر ، ونحن خدّامك حملتنا الشفقة على الصبيان والنساء ، وعلى ما يمسّ عرضك من العار عبر الأوطان ، وحيث أبيتَ أن تزجّ بأصحابك في المعركة فها نحن بهمّتك وعنايتك نكفيك أنت وأصحابك شرّ القتال ، وأعلمْناك لتسرّحنا بإذنك فإنها كبرت علينا مخالفتك ، وما زالوا يخاطبونه بلينٍ ورفقٍ حتى أفلتَتْ كلمة على لسان أحدهم بأن قال : " نحن عفاريتك يا سيّدي سرّحنا عليهم وسترى " ، فضحك الشيخ في وجه القائل ، وتبسّم تبسّمَ المغضب وقال : " ما كنتُ أحسب أن عندي عفاريت حتى عرّفتموني بأنفسكم " ، ويقال في المثل ( الأسد إذا ضحك أكل ) ، ثم قال لهم : " أنبئوني ما كان عليه السلف الصالح من أصحاب سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، القائل في حقّهم : « أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم » ، هل كانوا يدافعون عنه صلّى الله عليه وسلّم ظاهرا مع اشتداد الأمر عليهم وهم أهل عناية وأسرار ومقامات عليّة أو كانوا يقولون نحن عفاريتك ، وندافع عنك بالدفاع الباطني بالسرّ ؟ هذا مع ما هم فيه من المشاق العظام والحروب الكثيرة . أين مقامكم من مقامهم ؟ وهل سرّكم يضاهي أسرارهم ؟ وأيّ شدّة أصابتكم مثل ما أصابهم ؟ وأنتم يا هؤلاء أعطاكم الله تعالى السرّ وما كان إعطاؤه لكم إلاّ لرحمة عباد الله لا لهلاكهم ن والمقاتلة بهذه الطريقة التي تريدون هي مقاتلة خداع وليستْ على الوجه الشرعي ، فأيّ حظّ لكم ؟ فإنّكم أعجز خلق الله وأحوجهم إليه سبحانه وتعالى ، فهو الذي يدافع عنّا وعنكم وعن الصبيان الذين زعمتم أنهم اشتدّ خوفهم " . ووبّخهم على هذا الإندفاع ، ونزل بهم ما لم يكن بالحسبان ، وعوقبوا جميعا في الحال ، وكان عدد المصابين إحدى عشرة رجلا من بينهم سيدي الزاوي وسيدي الطاهر بن عبد الصادق رضي الله عنهما مع أنه لم ينطق بكلمة ولكنه كان معهم . وانتهت المعركة لصالح سيدي الحاج علي رضي الله عنه بأن وقع هجوم على بلد بن جلاّب من جهة أخرى الأمر الذي جعلهم يفكّون الحصار ويعودون للدفاع عن أنفسهم ، وهذا هو التصريف الإلهي

إبراهيم السوداني والكيمياء
هذا الرجل القاطن بمدينة توزر من القطر التونسي طرق مسمعه نبأ الخليفة الأعظم القطب التماسيني رضي الله عنه ومكانته السامية في أوساط المسلمين ، وما يتمتّع به من شهرة بين التجانيين ، وما لديه من خصوصية . فأزمع أن يزوره بزاويته الكبرى بـ" تملاّحتْ " ويطلب منه الإذن في التعامل بعلم الكيمياء الذي يعتقد بعض الناس أنه علم يطوّر المعادن الرديئة إلى معادن نادرة وثمينة ، وأسرّ ذلك في نفسه ولم يُبْده لغيره ، حتى دخل الزاوية وأصبح في ضيافة الشيخ . ومن نورانية هذا الشيخ رضي الله عنه انكشفت له نوايا زيارته ، فخرج به بعد إكرامه بما يليق بمقامه إلى أحد بساتينه ليصوّر له فائدة العمل وزراعة الأرض ، ويقدّم بين يديه طائفة من أنواع التمور ، ثمّ يوقفه فجأة ويقول له : " أنظر جيّدا " ، ويقوم سيدي الحاج علي رضي الله عنه بحفر الأرض من الساقية إلى النخلة قائلا له : " هذا هو علم الكيمياء يا مسكين ، أفلحِ الأرض تعطيك الغلال " .
توقيفه لتصرّفات الزُهْرَة
هي امرأة من ناحية الغرب (3) ، أخذت الطريقة التجانية ، وزارتْ الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه في داره ، وبقيتْ في خدمته مدّة حياته ، غير أنها لم تتخلّق بأخلاق أهل الحق والعرفان من حياءٍ واحتشامٍ ، بل كانت تكشف وجهها وتمشي سافرة بين الناس ، وقد زجرها سيدي محمد بن المشري رضي الله عنه على هذا التصرّف أكثر من مرّة ولم تستجبْ لنصحه ، بل قالت إنّها ليست كالنساء ، وصارت من ذلك الوقت تبغض السيد المذكور ، وتبغض من يحبّه كسيدي الحاج علي ، وسيدي محمود التونسي رضي الله عنهما . وكانت كلّما جاء وفد لزيارة الشيخ تستقبلهم مستفهمة إياهم عن كميّة العطايا والمبالغ التي جلبوها معهم إلى دار الشيخ .
لكن بعد وفاة الشيخ رضي الله عنه ، ورحيل أبنائه إلى عين ماضي ، أصبحت الزهرة تستنقص من قدر الأحباب وخاصة الخلفاء ، وتمسّ سمعتهم بأسوإ الأقوال والترّهات إفكا وبهتانا ، مدّعية أنّها الوحيدة التي أخذتْ أسرار الشيخ كلّها ، وأنّها مستخلَفته على الأحباب . وحلّتْ بتونس ، وتصدّرتْ للمشيخة ، وأصبحت تقدّم الرجال والنساء ، وتبعها الكثير ، وشاع خبرها ، وبلغتْ فعالها سيدي الحاج علي رضي الله عنه فقرّر أن يصدّها عن ذلك ، ويزجرها عن أفعالها ، وقصْدُه في ذلك الدفاع عن حرمة الطريقة من الخزعبلات والأوهام والتدجيل . وكلّف سيدي أحمد بن سليمان السوفي التغزوتي رضي الله عنه بأن يوجّهَ خطابا لأحباب تونس ينصحهم بالإبتعاد عنها وكفّها عن الدعوى . ولم تُجْدِي الكتابة نفعا بل ظلّتْ في طغيانها ، فعاود الكتابة مرّة ثانية من عنده بكتاب مفصّل ، محذّرا إيّاهم من التمادي في صحبتها ، وأنّ ذلك من شأنه إخراجهم من الطريقة كليّة . وكتب أهل تونس إلى سيدي الحاج علي رضي الله عنه قصدهم الإستفسار عن الرسائل التي جاءتْ بشأن الزهرة المرابطة ، وردّ سيدي الحاج علي رضي الله عنه برسالة مماثلة يقول : " إنني لم أمنعكم من تقديم الهدايا لها ولكنني أحذّر من الزيادة والنقصان في أمور الدين ، والكلام في أعراض المسلمين وأصحاب الشيخ ، ومن بقي على حاله فعليه بالتوبة وإلاّ فإنه يخاف على نفسه من الهلاك في الدنيا والآخرة لِمَا سمعنا من شيخنا عن سيد الوجود صلّى الله عليه وسلّم قال له : ( أصحابك أصحابي ، وفقراؤك فقرائي ، وتلاميذك تلاميذي ) ، وكيف بمن يسبّ أصحاب الشيخ أو أصحاب سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم . وأمّا سيدنا الشيخ رضي الله عنه فمرتبته عالية لا يماثله أحد ، وقد أذن بنفسه في التربية لثلاثة فقط : سيدي ابن المشري ، وسيدي محمود التونسي رحمهما الله ، وآخر غير معروف (4) .
وحيث أن رسائل سيدي أحمد بن سليمان لم تجدي ، ومقابلته لها لم تؤتي ثمارها ، وعاد من عندها بدون طائل ، بعث الشيخُ سيدي الطاهر بن عبد الصادق رضي الله عنه في إثرها ، غير أن سيدي الطاهر لم يقبل هذه المهمّة إلاّ بشرط أن يُؤذن له في التصريف حتى ولو أدّى ذلك إلى إبادتها بالموت ، فقال له الشيخ سيدي الحاج علي رضي الله عنه : " أنت مأذون ، وقد فوّضتُ لك أن تتصرّف بما يقتضيه الحال " . فسافر إلى قفصة وهربت الزهرة إلى القيروان حين علمت بقدومه ، ولحقها هناك فرحلت إلى تونس لتنجو بنفسها ورحل في إثرها . وعندما بلغها ذلك فرّتْ إلى بجاوة وذهبت إلى جبل الجبايلية ، وكتب لها سيدي الطاهر رسالة من تونس مضمونها : " إنّ الهروب لا يجديكِ نفعا يا الزهرة ، فإنّي جادّ فأين المفرّ ، غنّني مدرككِ في برّ أو بحر إلى أن يقضي فيكِ الله أمرا كان مفعولا " ، وأوصل لها الرسالة أحد أحباب بجاوة ، وفهمت الرسالة إجمالا وتفصيلا ، منطوقا ومفهوما ، وتحقّقت أنه سوف يمسك بها ، وعادتْ إلى تونس وتلاقتْ بسيدي الطاهر بن عبد الصادق ، وخيّرها بين أمرين : التوبة والتصريح أمام الجميع بكذبها ، وأن لا تعودي إلى إذاية أهل الطريقة من أصحاب الشيخ ، أو أن يمضي ما قدّره الله لك ، فقالت له :" سمعا وطاعة ، ولكن أمهلني حتى نختلي ونتفاهم فيما جئتَ من أجله " ، فقال لها : " ما جئتُ من أجله هو ما سمعتيه منّي علنا ولا يكون إلاّ علنا نصحا لك ، ورفقا بتلاميذك ، ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا من حيي عن بيّنة ، ويتوب بإعلانك المغترّون والجاهلون " . فأبَتْ ذلك ، فقال لها : " إن لم يكن ذلك فستموتين على هذه الحالة " ، فقالت : " الموت خير لي " ، ورفضت التوبة وماتت على حالها .


ثالثا ـ التربية عند التماسيني


لأولاده وأهل بيته
من وصاياه لأحد أولاده أنه قال له : " إن كنت في ملإ فاجلس بينهم المجلس الأقلّ ، فإن رفعوك فذلك فضل منهم وإن تركوك فقل هذا محلّي " .
وقال للجميع : " إيّاكم أن ترفعوا مكانتكم عن غيركم حتى الخدم فكلّكم عباد الله . إيّاكم إيّاكم أن تظنّوا أنكم خير من هؤلاء المماليك بل إنكم وإياهم عباد الله على حدّ السواء ، وإيّاكم أن تظنّوا أنّ هذه الدار ـ يعني داره وزاويته التماسينية ـ هي ملك لكم وحدكم ، بل هي ملك للشيخ ومالها كلّه إنما هو مال الشيخ ، وليس لي فيها شيء ، وأقول لكم كلّ من كان منتسبا للشيخ فله حظّ في داري هذه " .
تأديبه لأصحابه الكبار
كان يؤدّب أصحابه المقرّبين ، ويزجرهم ويمنعهم من استعمال الأسرار الربانية في الأغراض الدنيوية ، وقضية حرب بن جلاّب خير دليل على ذلك . ورسالته إلى سيدي محمد الحبيب أيضا من هذا القبيل .
نصحه للأحباب عموما
بقوله : " من كان عارفا فليعرف الشيخ ، ومن كان متحدّثا فليتحدّث عن الشيخ ، ومن كان خادما فليخدم الشيخ " . وقال : " أقول لكم إنّ هذا العصر للتجاني إلى يوم القيامة ، وإن الحكم والتصرّف فيه للتجاني إلى يوم القيامة ، وما بقي لصاحب قفة ولا زنبيل تصرّف في دولة التجاني أبدا " . ، وقال : " لا تخافوا من أحد ، ولا من مخلوق أي كان في دار الدنيا ولو بلغ ما بلغ ، فلا تخافوا إلاّ من الله سبحانه وتعالى وسيد الوجود والشيخ " ، وقال في حقّ وصيفه سعيد : " وصيفي يحفظ الفاتحة وصلاة الفاتح لما أغلق ويحفظ جوهرة الكمال واسمه سعيد ، فلا تعادله في ثمنه الدنيا وما فيها ، ولكن أرسلوه إلى أرض الجريد " ، وقال : " كلّ شفاء يخرج من داري ، وكلّ طبّ يبرز من داري ، وكلّ من سعد فمن داري سعد ، وكلّ من سُلِب فمن داري سلب ، وداري صبغة للأولياء ، وكلّ ما يقع في هذا الوجود فمنبعه من داري إلى النفخ في الصور " . ، وقال : " إذا رأيتم واحدا من أولادي يطير بسجّادته ويخالف الكتاب والسنّة فلا تتّبعوه " .

الخاتمة
ماذا استفدنا من ذكر هذه الوقائع ؟


أنّ التماسيني رضي الله عنه كان رجل علم وعمل وعبادة .
التعامل مع الظواهر بالظاهر .
عدم استعمال الأسرار في غير محلّها .
عدم مقابلة الواقع بالخيال ( كحادثة سيدي محمد الكبير رضي الله عنه ) .
الإستعداد للوقائع الحربية والتخطيط والدراسة .
البعد عن الإرتجال وقلّة التحرّي .
إستعمال الإشاعة كخطّة لإحباط قدرات الخصم ( قضية الأمير ) .
التحليل الدقيق لأقوال الخصوم والغير .
الإستفادة من دهاء الأعداء ( قضية الفرس ورفع الضريبة على الأملاك ) .
التمسّك بمحبّة الشيخ التجاني رضي الله عنه .
البعد عن الدجل والشعوذة وادعاء المشيخة .
التمسّك بالكتاب والسنة المطهّرة .



(1) ـ
وترجمتها بالفصحى لمن لا يفهمون مصطلحات العامّة من أهل صحراء الجزائر : أنّ الشيخ (الشايب) الذي تنطلي عليه الحيَل (يتزلبح) يستحقّ أن يُضْجَعَ (تكّي) ويذبح ، وهو تعبير على من لم ينفعه طول عمره وتجربته كي يكتسب رصيدا من الحكمة والبصيرة تنفعه عند تعقّد الأمور لفكّ ألغازها .
(2) ـ سيّدي الزاوي بن سيدي الحاج علي رضي الله عنهما .
(3)ـ والقصد هو الغرب الجزائري .
(4) ـ ذلك الرجل الآخر هو سيدي الحاج علي نفسه رضي الله عنه لكن لاعتبارات أخلاقية راقية لم يصرّح باسمه . المراجع :
ـ مخطوط لسيدي علي بن بلقاسم .
ـ مخطوط غرائب البراهين للسيد محمود بن المطمطية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.kooora.com
 
تعريف بالإمام التماسيني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الفتاة التجانية. :: منتديات الطريقة التجانية :: منتدى دار المحبّة-
انتقل الى: